الشيخ محمد هادي معرفة
65
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال الحسن البصري : هلك المتمتّعون في الدنيا ، لأنّ الجهل يغلب عليهم والغفلة ، فلا يتفكّرون إلّا في الدنيا وعمارتها وملاذّها . . . « 1 » قال الإمام أمير المؤمنين عليه صلوات المصلّين : هلك خُزّان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر . « 2 » نوح عليه السلام بعد الهبوط قال تعالى : « قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » . « 3 » دلّت الآية على أنّ نوحا هبط بسلامٍ وبركات . فقد أسّس أُمّةً وبنى حضارةً من جديد وعمّر الأرض وأحيى البلاد وسعى في إعلاء كلمة اللّه في الأرض على بُنيانٍ مرصوص . فقد أخذ من تجارب ماضية دليلًا هاديا له إلى تأسيس معالم جديدة تنير درب الإنسان إلى حيث سعادته الخالدة ، وكان التوفيق حليفه في هذا الشطر من حياته الكريمة ، وصار قدوة لمن جاء بعده من الأنبياء . وحتّى أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام أصبح من شيعته ، « إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » . « 4 » قال تعالى : « وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ . إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . . . » . « 5 » وكم عاش نوح بعد الطوفان ؟ القرآن ساكتٌ عنه ، وفي الروايات اختلاف ، خمسين
--> ( 1 ) - مجمع البيان ، ج 5 ، ص 168 . ( 2 ) - نهج البلاغة ، قصار الكلم ، رقم 147 ، في كلامه عليه السلام مع كميل بنزياد النخعي عليه الرحمة ، ص 496 . ( 3 ) - هود 48 : 11 . ( 4 ) - الصافّات 84 : 37 . ( 5 ) - الصافّات 75 : 37 - 84 .